ثامر هاشم حبيب العميدي

5

غيبة الإمام المهدي عند الإمام الصادق ( ع )

مقدّمة المركز الحمد للّه الواحد الأحد ، وصلواته وسلامه على نبينا محمّد ، وآله حجج اللّه على العباد إلى الأبد . . أما بعد . . فإن من المسلمات التي تركت بصماتها واضحة في تاريخ الفكر الإسلامي ، وبناء حاضره وأثّرت فيه برسم معالم مستقبله ؛ هو الاعتقاد الراسخ بإخبار أهل البيت عليهم السّلام جميعا عن الإمام المهدي عليه السّلام قبل ولادته وغيبته ، وعلى هذا فليس البحث في غيبة الإمام المهدي قبل ولادته عليه السّلام تسجيلا حرفيا لقضية من قضايا الماضي ، بقدر ما هو وصل بين جزء من تاريخ هذه العقيدة في عصر الإمام الصادق عليه السّلام والتعرف على جذورها في تلك الفترة ، وإدراك عمقها وامتدادها في عصور الإسلام ؛ وبين تاريخ تحقّقها على صعيد الواقع ؛ لما بينهما من ارتباط وثيق . ولا شكّ أن من يكون حليف القرآن وقرينه - والقرآن فيه تبيان لكل شيء - قادر على أن يوقفنا على ما في ظاهره وباطنه ، ويحدّثنا عن غيبة الإمام المهدي قبل ولادته عليه السّلام ، كما لو كان معه . « ومن غرق في بحر المعرفة لم يطمع في شط ، ومن تعلّى إلى ذروة الحقيقة لم يخف من حط » ؛ ولهذا قال القاضي ابن أبي ليلى لمّا سأله نوح بن دراج : « أكنت تاركا قولا قلته أو قضاء قضيته لقول أحد ؟ قال : لا ، إلّا رجل واحد ! قلت : من هو ؟ قال : جعفر بن محمّد » ، ذلك هو إمامنا الصادق عليه السّلام ، الحارس الأمين لمنظومة القيم والمفاهيم الإسلامية بنظر الكل ، حيث لم يدع مجالا لأحد أن يشوهها أو يحرفها . ومن عاش في كبد الحقيقة ، لا تكون الاستضاءة بأقواله استضاءة بجزء من الماضي ؛ لأن الحقيقة في الحياة ليس لها عمر محدّد ، بل تحمل عناصر الخلود والبقاء معها ، وكلما دار عليها الزمان تتجدّد ؛ ولهذا كانت حركته عليه السّلام وفعله وقوله وتقريره تجسيدا حيّا لحركة الرسالة في خطواتها الفكرية والروحية والعملية ، في مساحات الزمن الماضي والحاضر والمستقبل ؛ إذ امتاز عليه السّلام بواقعية مع الحياة على ضوء الإسلام ، فكان غنيا بمفاهيم الرسالة ، متمسّكا بمنهجها ، دقيقا في فكرها ، واضحا في تجسيدها حريصا على لونها ، مقتديا بها في ضرورة العلم والعمل والتفكير والتخطيط . وعلى هذا فلس ما جاء عنه عليه السّلام بحاجة في عرضه إلى أكثر من تجريده عن أيّة أفكار دخيلة عليه أو أقوال مزيفة مكذوبة منسوبة إليه ، ولم يعرفها أحد من أصحابه ولم يروها شيعته . ومما علم عنه عليه السّلام وبنحو اليقين ، أنّه لم يغادر الحياة شهيدا إلّا وقد جعل العقيدة بالمهدي عليه السّلام ، عميقة الفكر ، ثابتة الأساس ، متينة الحجّة ، واضحة مشخّصة ، مع تطويقه سائر الدعايات المضادّة التي عملت ولا زالت تعمل على تشويه تلك العقيدة ، حتى أحالها إلى رماد . ومن أقواله الثابتة ثبوت الحقيقة ، والواضحة وضوح الشمس في رائعة النهار ؛ تصريحه بهوية الإمام المهدي عليه السّلام ، وإمامته ، وغيبته ، وظهوره في آخر الزمان ؛ بما يمكن معه القول الجازم بأنه